! صاحب المظاهرة والتفسير التدويني للتاريخ
قبل ساعات في اجتماع لحركة شباب من أجل التغيير دار حديثٌ حول المظاهرة المُجهَضة أمام المستوطنة الصهيونية بالجيزة – والتي تحملتُ عبء الدعوة إليها – قال كثيرون إنهم ذهبوا ولم يجدوا أحداً , وإمعاناً في زيادة البهارات أكد البعض أن من أسمَوه بـ "صاحب المظاهرة " لم يحضر !ـ
كان " صاحب المظاهرة " موجوداً في الاجتماع , لكن أحداً لا يعرف أصلاً هوية صاحب المظاهرة , عدا بعض أصدقائه المقربين ; لذا فقد أخذ الجميع في هذه المناسبة وغيرها راحتهم في جلد ظهر الفاشل صاحب المظاهرة الذي لم يشارك فيها .ـ
زميل مدوِّن كتب هنا تعليقاً مليئاً بالشتائم والأعضاء التناسلية , وأكد أن صاحب المظاهرة لم يحضر , وأنه وعدد آخر من النشطاء بينهم د. ليلى سويف , أتوا ولم يجدوا أحداً , ومضى الزميل ليعلن على الجماهير المُضلَّلة الهدف الحقيقي الخافي الكامن وراء المظاهرة وهو الدعاية للمدونة الجديدة !ـ
أي والله ! هو لا يرى فيما حدث أكثر من أنني أردتُ إشهار مدونتي فاخترعت هذه الحكاية ! , وهو ما يقودنا إلى النظرية الجديدة – والتي أحذر الجميع من المساس بحقوق ملكية الزميل لها – ألا وهي : التفسير التدويني للتاريخ.ـ
يعتقد الزميل المحترم أن السعي لتنظيم تظاهرة أمام سفارة صهيونية للمرة الأولى في تاريخ صراعنا مع العدو الصهيوني – على حد علمي – , وتعريض المشاركين المفترضين لخطر الاعتداء والاعتقال فالتعذيب , وتحريك الآلاف من قوات الأمن المركزي وقوات مكافحة الشغب الخاصة وضباط وعناصر مباحث أمن الدولة , وتحمل ميزانية الدولة أموالاً طائلة في سبيل ذلك , يعتقد الزميل أن كل هذا جرى فقط لأن أحدهم أراد التعريف بـ" البلوج بتاعه " !ـ
إن الأمر – في نظري – جديرٌ بالتأمل وحقيقٌ بالبحث والتدقيق لعلنا نخرج من هذه الحادثة بنطرية جديدة لتفسير التاريخ تضيف أمجاداً إلى أمجاد التدوين المصريّ الفتيّ , على أن تكون حقوق الملكية الفكرية مناصفة بين الزميل مبتكر النظرية وصاحب المظاهرة .ـ
لقد أرسلتُ لهذا الزميل رسالة على بريده أوضحت له فيها ما وقع وذكرت له بعض التفاصيل التي حدثت بما يجعله يطمئن إلى حضوري ساعة المظاهرة المُفترضة , وقد فعلتُ هذا رغم ما فيه من احتمال تعريض سلامتي الشخصية للخطر نظراً لأنني كنت أحترمه وأثق فيه كواحد من رفاق النضال ضد الاستبداد , وإن كنت لا أعرفه شخصياً غير أنني قرأت جانباً من كتاباته .ـ
ثم كلّمته بعدها في محادثة فورية عبر " الماسنجر " فأقر بخطأ كلامه الأول وأبدى اقتناعه بأنني ذهبت بالفعل ولم أخذلهم كما توهم , غير أنه تحدث باستعلاء مؤكداً أنه لا يعتذر لأحد وحاول المراوغة والتنصّل من مسئولية الكلام الذي ذكره في تعليقه , ثم أضاف الزميل يقذف الكرة في ملعبي بلهجة الغاضب المعاتب : " إنت راجل صاحب مظاهرة , كان المفروض تيجي ومعاك عشرين تلاتين واحد على الأقل " !ـ
رأيتُ – كما رأيتم – أن الصهاينة قد أكثروا في الأرض الفساد , فاقترحت أن نتظاهر أمام سفارتهم تعبيرأ عن موقفنا كما هو مبين في النص الأصلي للدعوة , ووافق عدد من الزملاء على الفكرة من حيث المبدأ ونشرت ثلاث مجمعات تدوينية الدعوة بالإضافة إلى ثلاثين مدونة مصرية أخرى و بلغ الأمر دائرة واسعة من المشتغلين بالعمل العام حتى تنادى بعض القياديين من كبار النشطاء لنشر الدعوة بأنفسهم – كالأستاذ محمد عبد القدوس – وتم تداولها عبر المجموعات البريدية والمنتديات الحوارية , ونشرتها حركة كفاية في موقعها الرسمي .ـ
حتى كان اليوم الموعود وذهبت أعداد قليلة إلى المكان ليفتت الأمن شملهم ويفرق جمعهم ويحتجز بعضهم لمنعهم من المشاركة , فقد أعدّت وزارة الداخلية إعداداً جيداً لهذا اليوم حيث كنا ننوي إسقاط واحدة من أقدس المحرمات الرسمية في هذا البلد , أذكر أنني أول ما وصلت إلى الميدان لاحظت وجود ثلاث عربات مدرعة على اليساربينما تتخذ عربات رش المياه مواقعها القتالية فيما يخاطب ضابط زميله في تركيز شديد وانتشاء واضح : " تعالوا كدة عشان نقفل عليهم صح " .ـ
أما صاحب المظاهرة ؟ فلا أدري ما صاحب المظاهرة هذا؟ ولا ماذا يكون من شأنه في الدول والحضارات الأخرى ؟
هل كان من المتوقع أن يأتي " صاحب المظاهرة " وقد لبس زي العرب في العصر العباسي الأول ووضع على رأسه ريش الطواويس ليعلم القاصي والداني أن صاحب المظاهرة قد جاء ؟ـ
أم كان من الواجب عليّ أن أطوف على الواقفين في الميدان مباحثاً وأمنَ دولةٍ ومواطنينَ ومتظاهرين لأؤكد لهم أنني أنا أبو العروسة أقصد صاحب المظاهرة ؟
لاشك في أن من يريد إعمال عقله وممارسة الابتكار والتجديد عليه أن يتحمل التبِعات , ويستعد لدفع ضريبة الفشل قبل ضريبة النجاح , ولو أن بضع عشرات من المتظاهرين نجحوا في الوصول إلى المكان وتعامل الأمن معهم بلطف وسمح لهم بالبقاء , لاعتُبرت المظاهرة ناجحة ولتحدثت عنها وكالات الأنباء و الفضائيات والصحف العربية وغير العربية , حتى يغدوَ صاحب المظاهرة فتىً فذاً ومناضلاً مبدعاً من طرازٍ فريد , أما و قد أجهض التواجد الأمني المظاهرة فإن صاحبها يستحق ملأ مدونته بالسباب والأعضاء التناسلية .ـ
ختاماً أوصيكم ونفسي بتقوى الله وألاّ تكونوا أصحاب مظاهرة ولا مبادرة , أعاذنا الله وإياكم من رذيلة التفكير وعار المحاولة .ـ